التكرار في كلام الناس عيب. وفي سورة الرحمن هو البناء كله.
تكررت الآية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إحدى وثلاثين مرة في سورة واحدة. ولو جاء هذا في كلام بشر لعُدّ ضعفًا وحشوًا، لكنه هنا هو العمود الفقري الذي تُبنى عليه السورة من أولها إلى آخرها.
والفرق بين التكرار المذموم والتكرار البليغ هو موضوع هذا المقال. فـبلاغة التكرار في سورة الرحمن لا تقوم على إعادة اللفظ، بل على أن كل إعادة تأتي بعد معنى جديد، فتتغير دلالتها وإن ثبت لفظها.
أولًا: متى يكون التكرار بلاغة لا عيبًا؟
قرر البلاغيون أن التكرار يصبح محمودًا في مواضع، منها:
- إذا جاء بعد معنى جديد في كل مرة، فيكون تعقيبًا لا إعادة.
- إذا قصد به التقرير والتثبيت، لأن المعنى يرسخ بالإعادة كما يرسخ الحفر بتكرار الضربة.
- إذا أفاد التوبيخ والتقريع، فتكرار السؤال على المنكر أشد عليه من سؤال واحد.
- إذا أُريد به الإيقاع والتنغيم، ليصير النص أقرب إلى النفس وأسهل في الحفظ.
- إذا كان تقسيمًا للمعاني، يفصل بين وحدة وأخرى كما يفصل الفاصل بين الفقرات.
وسورة الرحمن جمعت هذه الوجوه كلها في آية واحدة.
ثانيًا: التكرار الذي لا يتكرر
هذه أدق نقطة في الموضوع، ومن فهمها فهم السورة.
الآية واحدة في لفظها، لكنها مختلفة في دلالتها في كل موضع، لأن ما قبلها يتغير:
- فحين تأتي بعد ذكر خلق الإنسان وتعليمه البيان، يكون السؤال عن نعمة الوجود والمعرفة.
- وحين تأتي بعد ذكر الشمس والقمر والنجم والشجر، يكون السؤال عن نعمة النظام الكوني.
- وحين تأتي بعد ذكر البحرين واللؤلؤ والمرجان، يكون السؤال عن نعمة الرزق والزينة.
- وحين تأتي بعد وصف النار وأهوالها، يكون السؤال عن نعمة الإنذار قبل الوقوع.
- وحين تأتي بعد وصف الجنتين وما فيهما، يكون السؤال عن نعمة الجزاء والوعد.
فاللفظ ثابت والمعنى متحرك. وهذا هو الفرق الجوهري بين التكرار والترديد: الترديد إعادة بلا فائدة، والتكرار هنا عَوْد على معنى جديد في كل مرة.
وشبّه بعض العلماء هذا بمن يعدّ عليك إحسانه شيئًا فشيئًا، ويقول بعد كل واحدة: أتنكر هذه؟ فالسؤال واحد، لكنه في كل مرة عن شيء آخر، ولا يملك المسؤول إلا الإقرار.
ثالثًا: سر خطاب التثنية "ربكما"
لماذا لم يقل "ربكم" بالجمع، ولا "ربك" بالإفراد، بل قال ﴿رَبِّكُمَا﴾ بالتثنية؟
الجواب في أول السورة وآخرها: الخطاب موجه إلى الثقلين، الإنس والجن. وقد صرّحت السورة بذلك في قوله تعالى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وفي قوله ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾.
وفي هذه التثنية لطائف:
- تسوية بين الخَلقين في المسؤولية، فكلاهما مكلف وكلاهما منعَم عليه.
- توسيع دائرة الخطاب لتشمل عالمًا لا نراه، وفي ذلك تذكير بأن الكون أوسع مما نحس.
- الإيقاع الصوتي، فصيغة التثنية في "ربكما" و"تكذبان" تعطي امتدادًا صوتيًا متوازنًا يناسب الترتيل.
- وفيها إلزام مضاعف، إذ لا يستطيع أحد الفريقين أن يحيل الجواب على الآخر، فالسؤال موجه إليهما معًا.
رابعًا: لماذا "آلاء" ولم يقل "نعم"؟
اختيار لفظ ﴿آلَاءِ﴾ دون "نِعَم" له وجه:
- الآلاء جمع "أَلْي" أو "إِلْي"، وهي النعمة. واللفظ أقل دورانًا في الاستعمال اليومي من "نعم"، فوقعه في الأذن أقوى وأبقى.
- وفي جرسه امتداد بالمد في أوله، يناسب الامتنان والتعداد.
- ويفيد التنوع، فالآلاء تشمل النعم الظاهرة والباطنة، والدنيوية والأخروية، بخلاف ما قد يتبادر من لفظ النعمة إلى المحسوس فقط.
خامسًا: لماذا جاء السؤال بعد ذكر العذاب أيضًا؟
هذا سؤال يتكرر كثيرًا: كيف يُسأل عن النعم بعد وصف جهنم وأهوالها؟ والجواب من وجوه ذكرها المفسرون:
- الإنذار نفسه نعمة. فمن حُذّر قبل وقوع الأمر فقد أُنعم عليه، إذ أُتيحت له فرصة النجاة.
- العدل نعمة. أن يُجازى المحسن والمسيء كل بما يستحق مقتضى الحكمة، ولو تساويا لكان ظلمًا.
- تمييز الدارين نعمة للمؤمن، إذ يعرف قدر ما نجا منه بمعرفة ما وقع فيه غيره.
- العلم بالغيب نعمة. فالإخبار عن الآخرة بتفصيلها رفع للجهل وفتح لباب العمل.
- ودفع العذاب عمن آمن نعمة، فذكر النار في سياق النعم تذكير للمؤمن بما صُرف عنه لا تهديد له وحده.
فالسؤال في كل المواضع على بابه، ولا إشكال فيه حين يُفهم معنى النعمة على سعته.
سادسًا: بناء السورة ومنهج التقسيم
للسورة بناء هندسي واضح، والآية المكررة هي الفاصل بين أقسامه:
- افتتاح بذكر اسم الرحمن وتعليم القرآن، ثم خلق الإنسان وتعليمه البيان. لاحظ التقديم: علّم القرآن قبل خلق الإنسان، وفي هذا تعظيم لشأن الوحي.
- ثم النظام الكوني: الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان.
- ثم الأرض وما فيها: الفاكهة والنخل والحب والريحان.
- ثم خلق الثقلين: الإنسان من صلصال، والجان من مارج من نار.
- ثم مشهد القيامة والحساب.
- ثم النار وأهلها.
- ثم الجنتان، ثم ومن دونهما جنتان.
- وختام بتقديس اسم الرب: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
ولاحظ التناظر البديع: بدأت السورة باسم الرحمن وختمت بـذي الجلال والإكرام، فبدأت بالرحمة وختمت بالجلال، وبين الطرفين عُرضت النعم كلها.
سابعًا: أثر التكرار في المتلقي
ورد في حديث رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فأخبرهم أن الجن كانوا أحسن ردًّا، إذ كانوا كلما سمعوا الآية قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب. وقد ذكر الترمذي أن في إسناده كلامًا، ويُستأنس به في بيان أن الآية تقتضي جوابًا.
وهذا يكشف وظيفة التكرار: الآية ليست خبرًا يُسمع، بل سؤالًا ينتظر جوابًا. وكلما تكرر السؤال تجدد المطالبة بالجواب، فلا يملك السامع إلا أن يقرّ.
ثامنًا: هل في القرآن تكرار آخر مثله؟
نعم، والقرآن يستعمل هذا الأسلوب في مواضع معدودة، منها:
- تكرار ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ في سورة القمر بعد كل قصة من قصص المكذبين.
- تكرار ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المرسلات.
- تكرار ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِن مُّدَّكِرٍ﴾ في سورة القمر أيضًا.
- تكرار ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في سورة التكاثر، وهو تكرار قصير في سورة قصيرة، ومع ذلك يؤدي وظيفة التوكيد نفسها.
وفي كل هذه المواضع يتكرر اللفظ بعد معنى جديد، فيؤدي الوظيفة نفسها: التقسيم، والتقرير، والإيقاع.
تاسعًا: الفاصلة الصوتية وسر وقعها
من الجوانب التي تُغفل عند الحديث عن هذه السورة جانبها الصوتي، وهو جزء أصيل من أثرها:
- الفواصل كلها تنتهي بالألف والنون، وهذا الامتداد الصوتي يمنح السورة إيقاعًا متصلًا لا ينقطع: يسجدان، الميزان، الأنام، الإكرام، تكذبان.
- صيغة التثنية نفسها في الأفعال والأسماء تضاعف هذا الإيقاع: ينبغيان، يبغيان، تكذبان، مدهامتان، نضاختان، فاكهة ونخل ورمان.
- قصر الآيات في معظم السورة يجعل الوقفات متقاربة، فيقترب النص من الإيقاع المنتظم.
- تكرار حرف النون وهو من حروف الغنة، يمنح التلاوة امتدادًا في الصوت يناسب مقام الامتنان والتعداد.
الفائدة البلاغية: الإيقاع ليس زينة مضافة على المعنى، بل هو جزء من أداء المعنى. فالسورة تعدّد النعم، وتعداد النعم يناسبه نَفَس متصل متكرر، وهذا ما صنعته الفاصلة.
عاشرًا: ما الذي يتعلمه الكاتب والخطيب من هذه السورة؟
دروس عملية تتجاوز حدود التفسير:
- الإعادة تُرسّخ إن جاءت بعد جديد. كرّر جملتك المحورية بعد كل فكرة، لا بعد كل جملة، فتصير محورًا لا حشوًا.
- السؤال أقوى من التقرير. لو قيل "لا تكذبوا بنعم ربكم" لمرّ الكلام، لكن السؤال يستدعي جوابًا من كل سامع على حدة.
- التقسيم يُيسّر الاستيعاب. الآية المكررة تعمل عمل الفاصل بين الوحدات، فلا تختلط المعاني.
- ابدأ بما يجذب واختم بما يُعظّم. السورة بدأت بالرحمن وختمت بذي الجلال والإكرام.
- الإيقاع يخدم الرسالة. اختر ألفاظًا متقاربة النهايات حين تريد لكلامك أن يُحفظ ويُردّد.
- وازن بين الترغيب والترهيب. السورة ذكرت النار والجنة معًا، ولم تكتفِ بأحدهما، وهذا أبلغ في التأثير من الاقتصار على جانب واحد.
وهذا من أعظم فوائد دراسة البلاغة القرآنية: أنها لا تنتهي عند التذوق، بل تنتقل إلى أدوات عملية في كل من يكتب أو يخطب أو يعلّم.
أسئلة شائعة
كم مرة تكررت الآية في سورة الرحمن؟ إحدى وثلاثين مرة. وهي بذلك أكثر آية تكرارًا في سورة واحدة في القرآن كله.
لماذا جاء الخطاب بصيغة التثنية؟ لأنه موجه إلى الثقلين: الإنس والجن، وقد صرّحت السورة بذلك في أكثر من موضع.
ما معنى الآلاء؟ النعم، مفردها إلْي أو أَلْي، وتشمل النعم الظاهرة والباطنة. وقد اختير هذا اللفظ لسعته وقوة وقعه.
لماذا سُميت عروس القرآن؟ هذا وصف اشتهر بين الناس لجمال نظمها وإيقاعها وكثرة ما فيها من تعداد النعم، وليس اسمًا توقيفيًا لها.
هل التكرار في القرآن عام أم خاص بهذه السورة؟ ليس خاصًا بها، لكنه في سورة الرحمن بلغ ذروته بناءً ووظيفة، حتى صارت الآية المكررة هي هيكل السورة نفسه.
ما الحكمة في افتتاح السورة باسم الرحمن؟ لأن السورة كلها تعداد لمظاهر الرحمة في الكون والخلق والوحي والجزاء، فناسب أن تُفتتح بالاسم الجامع لهذا المعنى.
لماذا قُدّم تعليم القرآن على خلق الإنسان في أول السورة؟ لأن الغاية مقدمة في الاعتبار وإن تأخرت في الوجود، فالإنسان خُلق ليعرف ويعبد، والوحي هو الطريق إلى ذلك، فقُدّم في الذكر لعلوّ شأنه.
الخلاصة
آية واحدة تتكرر إحدى وثلاثين مرة، ومع ذلك لا يشعر القارئ بملل ولا فائض. والسبب أن كل تكرار يأتي بعد معنى لم يُذكر قبله، فيتجدد السؤال بتجدد ما يُسأل عنه.
وإن أردت أن تختبر هذا بنفسك، فاقرأ السورة قراءة واحدة، وقف عند كل مرة تتكرر فيها الآية، ثم عد سطرًا واحدًا إلى الوراء واسأل: عن أي نعمة يُسأل هنا تحديدًا؟ ستجد إحدى وثلاثين إجابة مختلفة، وهذه وحدها هي بلاغة التكرار.
وحينها ستدرك أن ما يبدو للعين إعادة، هو في الحقيقة إحدى وثلاثون آية مختلفة، اتفقت في الحروف واختلفت في المعنى. وهذا وجه من وجوه الإعجاز لا يُدرَك بالقراءة السريعة.

0 تعليقات