في القرآن آية تجمع بين كلمتين متطابقتين في الحروف، مختلفتين في المعنى، والمسافة بينهما لا تتجاوز سطرًا.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾.
فـ"الساعة" الأولى هي القيامة، و"ساعة" الثانية هي الوقت القصير. لفظ واحد ومعنيان متباعدان، جاءا متجاورين ليُحدث التقابل أثره: يوم القيامة يُقسمون أنهم لم يمكثوا إلا ساعة.
وهذا مدخل إلى أشهر بابين في علم البديع، ونعني التورية والجناس في الشعر العربي وفي النثر الرفيع معًا.
أولًا: ما الجناس؟
الجناس أن يتشابه لفظان في النطق ويختلفا في المعنى. وهو نوعان:
الجناس التام
أن يتفق اللفظان في نوع الحروف وعددها وترتيبها وهيئتها، ويختلفا في المعنى فقط.
ومثاله الآية السابقة: الساعة والساعة. حرفان بحرفين، وترتيب بترتيب، ومعنيان متباعدان.
الجناس الناقص
أن يختلف اللفظان في شيء من ذلك: في حرف، أو في عدد الحروف، أو في الحركات.
ومن أمثلته في القرآن: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. فبين "تقهر" و"تنهر" اختلاف في حرف واحد، والباقي متطابق، وهذا يمنح الآيتين إيقاعًا متوازنًا مع اختلاف المعنى.
ومنه أيضًا: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، فبين "الساق" و"المساق" تشابه قريب مع اختلاف في المعنى تمامًا.
ثانيًا: ما التورية؟
التورية أن يُذكر لفظ له معنيان:
- معنى قريب ظاهر يتبادر إلى ذهن السامع أولًا، وهو غير المراد.
- معنى بعيد خفي هو المقصود فعلًا.
فالمتكلم يُورّي، أي يستر مراده خلف المعنى الظاهر، فيسبق ذهن السامع إلى الأول ثم ينتبه إلى الثاني، فيقع في نفسه من اللذة ما لا يقع من الكلام المباشر.
وسر هذه اللذة نفسي قبل أن يكون بلاغيًا: فالذهن حين يكتشف بنفسه يشعر بمتعة المشاركة، بخلاف ما يُلقى إليه جاهزًا. ولهذا قيل إن أبلغ الكلام ما ترك للسامع نصيبًا من العمل.
والفرق بين الجناس والتورية دقيق ومهم:
- الجناس لفظان متشابهان ومعنيان، وكلاهما مراد في موضعه.
- التورية لفظ واحد ومعنيان، أحدهما مراد والآخر مصروف عنه.
ثالثًا: أمثلة مدهشة من التراث
من أشهر ما يُمثّل به في كتب البديع قول الشاعر يمدح شعر صاحبه ويعرّض به:
أَبْيَاتُ شِعْرِكَ كَالقُصُورِ وَلَا قُصُو / رَ بِهَا وَلَكِنَّ الْقُصُورَ بِهَا يَعُوقْ
فلفظ "القصور" يحتمل معنيين: البيوت العالية، والنقص والعجز. فأوهم المدح بالمعنى الأول، وأراد الذم بالثاني.
ومن أظهر صور هذا الفن أن يُستعمل في المديح والهجاء معًا بألفاظ واحدة، فيسمعه الممدوح مدحًا ويفهمه الأديب ذمًا. وقد برع في ذلك جماعة من شعراء العصور المتأخرة، ومنهم ابن نُباتة المصري، وصفيّ الدين الحِلّي، والبهاء زهير، وقد أُفردت لهذا الباب مصنفات مستقلة.
تنبيه منهجي: كثير من الأبيات المتداولة في هذا الباب تُنسب في المواقع إلى غير أصحابها، وبعضها لا يُعرف قائله. والأمانة تقتضي أن يُقال "من أشهر ما يُمثّل به" حين لا يثبت النسب، لا أن يُجزم بقائل لم يُتحقق منه.
رابعًا: متى يكون البديع جمالًا ومتى يصير تكلفًا؟
هذه أهم فقرة في المقال، لأن الإفراط في البديع أفسد شعرًا كثيرًا في عصور التأخر.
يكون جمالًا إذا:
- جاء عفو الخاطر تابعًا للمعنى، لا مطلوبًا لذاته.
- لم يُغيّر اللفظ الأصلي الذي يقتضيه المعنى.
- زاد المعنى وضوحًا أو طرافة، ولم يشغل عنه.
- كان في موضعه، فلا يليق في مقام العزاء ما يليق في مقام المداعبة.
- لم يتكرر حتى يصير عادة تفقد أثرها بالتوقع.
ويصير تكلفًا إذا:
- أُقحم لفظ غريب لأجل التجنيس.
- قُدّم اللفظ على المعنى فصار الشاعر يبحث عن معنى يخدم جناسه.
- تراكمت المحسنات حتى صار النص لغزًا يُفكّ لا كلامًا يُفهم.
- كُلّف السامع جهدًا في الفهم أكبر من المتعة التي يجدها.
- أُخلّ بالوضوح لأجل التوازن الصوتي، فصار المعنى ضحية الإيقاع.
وقد نبّه على هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم حين أنكر السجع المتكلف بقوله: «أَسَجْعًا كَسَجْعِ الْكُهَّانِ؟» رواه البخاري. فالإنكار وقع على التكلف لا على السجع نفسه.
خامسًا: محسنات أخرى من الأسرة نفسها
علم البديع أوسع من هذين البابين، ومن أشهر ما يجاورهما:
- الطباق: الجمع بين الشيء وضده، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾.
- المقابلة: أن يؤتى بمعنيين فأكثر ثم بما يقابلهما على الترتيب، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ ثم مقابلها.
- حسن التعليل: أن يُدّعى لأمر سبب طريف غير سببه الحقيقي، وهو باب يكثر في الشعر.
- رد العجز على الصدر: أن يوافق آخر البيت أوله في اللفظ.
- السجع: توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، وهو في النثر بمنزلة القافية في الشعر، وحسنه في عفويته لا في تكلفه.
- الاقتباس: أن يُضمّن الكاتب كلامه شيئًا من القرآن أو الحديث دون إشارة إلى أنه منه، وله شروط وأدب ذكرها العلماء.
سادسًا: كيف تتذوق البديع دون أن تغرق في المصطلحات؟
خطوات عملية لمن يريد التذوق لا الدراسة الأكاديمية:
- ابدأ بالأثر لا بالاسم. اقرأ البيت واسأل: لماذا وقع في نفسي؟ ثم ابحث عن اسم الظاهرة بعد ذلك.
- انتبه إلى اللحظة التي تبتسم فيها. التورية تُحدث في النفس ابتسامة انتباه، وهي علامة أنك التقطتها.
- اقرأ البيت مرتين: مرة بالمعنى الظاهر، ومرة بالمعنى الخفي. والفرق بينهما هو الفن كله.
- لا تحمّل النص ما لا يحتمل. فليس كل تشابه لفظي جناسًا مقصودًا، وقد يقع الاتفاق عفوًا.
- اقرأ في كتب البديع المختصرة لضبط المصطلح، ثم عد إلى الدواوين للتطبيق.
سابعًا: الجناس في الشعر العربي القديم
لم يكن الجناس بدعة متأخرة، بل عرفه العرب منذ الجاهلية، لكنه كان عندهم عفويًا قليلًا، ثم كثر وتُكلّف في العصور اللاحقة.
أمثلة على استعماله المتزن:
- في أشعار الجاهلية والإسلام يقع التجنيس عرضًا فيمرّ سلسًا، حتى لا يكاد السامع ينتبه إليه إلا بعد تأمل. وهذا هو الجناس الممدوح.
- وفي شعر المحدثين من أمثال أبي تمام والبحتري والمتنبي يقع الجناس مقصودًا في مواضع، لكنه يبقى تابعًا للمعنى لا متبوعًا.
- أما في عصور ما بعد ذلك فقد صار عند بعضهم غاية تُطلب لذاتها، فكثرت الأبيات التي تُعجب الأذن ولا تُغني الذهن.
ملاحظة نقدية: مقياس الجودة في هذا الباب سؤال واحد: هل كان الشاعر ليختار هذا اللفظ لو لم يرد التجنيس؟ فإن كان الجواب نعم فالجناس زينة، وإن كان لا فهو تكلّف.
ثامنًا: البديع في النثر والمقامات
لم يقتصر هذا الفن على الشعر، بل بلغ ذروته في النثر الفني، وخاصة في فن المقامات.
- بديع الزمان الهمذاني يُعدّ مؤسس هذا الفن، وقد بنى مقاماته على السجع والجناس والتورية بناءً متقنًا.
- الحريري في مقاماته توسّع في الصنعة اللفظية حتى صارت مقاماته ميدانًا لاستعراض قدرات اللغة، وفيها ألاعيب لفظية بالغة التعقيد.
- وقد اختلف النقاد في تقويم هذا الاتجاه: فمنهم من عدّه غاية الإتقان اللغوي، ومنهم من رآه انصرافًا عن المعنى إلى الشكل.
والحق وسط بين الرأيين: فهذه النصوص كنز لغوي لا يُنكر، لكنها ليست نموذجًا يُحتذى في كل كتابة. فالمقامة عمل فني غايته استعراض اللغة، والخطاب اليومي غايته إيصال المعنى، ولكل مقام أسلوبه.
تاسعًا: دروس عملية للكاتب المعاصر
ما الذي يأخذه الكاتب اليوم من هذا الفن دون أن يقع في التكلف؟
- استعمل التجنيس في العناوين لا في المتن. فالعنوان يحتمل لمسة لفظية تجذب، والمتن يحتاج وضوحًا.
- اجعل المحسّن واحدًا في الفقرة لا ثلاثة. فالكثرة تُفقده أثره وتُشعر القارئ بالصنعة.
- اختبر الجملة بحذف المحسّن. فإن بقي المعنى تامًا فالمحسّن زينة مقبولة، وإن اختل المعنى فقد بنيت على زخرف.
- تجنب التورية في المواضع الحساسة. فاللبس المقصود لا يليق في العقود ولا في الفتوى ولا في التقارير.
- اقرأ نصك بصوت عالٍ. فأذنك تلتقط التكلف قبل عينك بكثير.
- اجعل المعنى أولًا دائمًا. فمن بدأ من اللفظ انتهى إلى زخرف، ومن بدأ من المعنى جاءه اللفظ الجميل عفوًا.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الجناس والتورية باختصار؟ الجناس لفظان متشابهان بمعنيين كلاهما مراد، والتورية لفظ واحد بمعنيين أحدهما ظاهر غير مراد والآخر خفي مقصود. والأول لفظي والثاني معنوي.
هل في القرآن تورية؟ الأسلوب القرآني فيه من وجوه البيان ما لا يُحصى، وقد اختلف العلماء في إطلاق مصطلح التورية عليه، والأحوط استعمال المصطلحات الاصطلاحية في الشعر والنثر والتحفظ في إطلاقها على القرآن.
لماذا كثر البديع في العصور المتأخرة؟ لأسباب أدبية واجتماعية، منها المنافسة في الصنعة وانصراف الشعر عن المعاني الكبرى إلى إتقان الشكل.
هل البديع عيب إذن؟ ليس عيبًا في نفسه، بل العيب في التكلف. وأجمل البديع ما لا تشعر به إلا بعد التأمل. وأقبحه ما يصرخ في وجهك من أول سطر.
ما أشهر كتاب في البديع؟ تراث هذا الفن واسع، وأصوله عند عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، ثم تتابعت المصنفات في تقسيم أبوابه وتفريعها.
كم عدد أبواب البديع؟ اختلف العلماء في عدّها اختلافًا كبيرًا، فبعضهم أوصلها إلى عشرات الأنواع، والمهم ليس حفظ العدد بل إدراك الوظيفة التي يؤديها كل نوع.
هل يصلح تعليم البديع للمبتدئين؟ نعم، بشرط البدء بالتذوق لا بالتعريف. فمن حفظ التعريفات دون أن يحس أثرها في النص خرج بمصطلحات لا بذوق.
ما الفرق بين المحسنات اللفظية والمعنوية؟ اللفظية ما يرجع حسنها إلى اللفظ كالجناس والسجع، والمعنوية ما يرجع حسنها إلى المعنى كالطباق والمقابلة والتورية.
الخلاصة
الجناس يلعب بالألفاظ، والتورية تلعب بالمعاني. والأول يُطرب الأذن، والثاني يُدهش الذهن. وكلاهما جميل حين يخدم المعنى، ثقيل حين يُطلب لذاته.
وإن أردت أن تتدرب على التقاطهما، فاقرأ البيت أو الآية مرتين، وقف عند كل لفظ تشعر أن فيه أكثر من وجه، ثم اسأل: أي الوجهين هو المقصود؟ وهذا السؤال وحده هو الباب الذي يدخل منه المرء إلى عالم البديع كله.
وتذكّر أن غاية هذا الفن ليست أن تعرف أسماء المحسّنات، بل أن تزداد حساسية للكلام: فتميّز الجيد من الرديء، والعفوي من المتكلف، والمعنى الذي يستحق أن يُقال من اللفظ الذي أُقحم ليُعجب.

0 تعليقات